الثعالبي

110

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

الأذكار التي يقولها بلسانه ، مستحضرا لصفات الجلال والعظمة ، وذلك أن الذكر باللسان ، إذا كان عاريا عن الذكر بالقلب ، كان عديم الفائدة ، ألا ترى أن الفقهاء أجمعوا على أن الرجل ، إذا قال : بعت واشتريت مع أنه لا يعرف معاني هذه الألفاظ ، ولا يفهم منها شيئا ، فإنه لا ينعقد البيع والشراء ، فكذلك هنا ، قال المتكلمون : وهذه الآية تدل على إثبات كلام النفس . وقوله تعالى : ( ولا تكن من الغافلين ) ، يدل على أن الذكر القلبي يجب أن يكون دائما ، وألا يغفل الإنسان لحظة عن استحضار جلال الله وكبريائه بقدر الطاقة البشرية ، وتحقيق القول في هذا أن بين الروح والبدن علاقة عجيبة ، لأن كل أثر يحصل في البدن يصعد منه نتائج إلى الروح ، ألا ترى أن الإنسان إذا تخيل الشئ الحامض ، ضرس منه ، وإذا تخيل حالة مكروهة ، أو غضب ، سخن بدنه . انتهى . و ( تضرعا ) : معناه : تذللا وخضوعا ، البخاري : ( وخيفة ) ، أي : خوفا انتهى . وقوله : ( بالغدو والآصال ) : معناه : دأبا ، وفي كل يوم ، وفي أطراف النهار ، ( ولا تكن من الغافلين ) تنبيه منه عز وجل ، ولما قال سبحانه : ( ولا تكن من الغافلين ) : جعل بعد ذلك مثالا من اجتهاد الملائكة ، ليبعث على الجد في طاعة الله سبحانه . * ت * : قال صاحب " الكلم الفارقية " : غفلة ساعة عن ربك مكدرة لمرآة قلبك ، فكيف بغفلة جميع عمرك . انتهى . قال ابن عطاء الله رحمه الله : لا تترك الذكر ، لعدم حضورك مع الله فيه ، لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة ، إلى ذكر مع وجود يقظة ، ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور ، ومن ذكر مع وجود حضور ، إلى ذكر مع وجود غيبة عما سوى المذكور ، وما ذلك على الله بعزيز . انتهى ، قال ابن العربي في " أحكامه " : قوله تعالى : ( ولا تكن من الغافلين ) : أي : فيما أمرت به ، وكلفته ، وهذا خطاب له عليه السلام ، والمراد به جميع أمته . انتهى . وقوله : ( الذين ) ، يريد به الملائكة : وقوله : ( عند ) ، إنما يريد به المنزلة ، والتشريف ، والقرب في المكانة ، لا في المكان ، فهم بذلك عنده ، ثم وصف سبحانه حالهم ، من تواضعهم ، وإدمانهم العبادة ، والتسبيح والسجود " ، وفي الحديث : " أطت السماء ، وحق لها أن تئط ما فيها موضع شبر